بقلم الكابتن لؤي عثمان  

تُعدّ حراسة المرمى المركز الوحيد في كرة القدم الذي لا يخضع بالكامل لقوانين التراجع البدني. فبينما تتقلص المساحات أمام اللاعبين مع تقدّمهم في العمر، تتسع أمام الحارس مساحة الخبرة، ويزداد تأثيره كلما تراكمت سنوات اللعب خلفه. هذه الحقيقة، التي أثبتتها التجارب عبر العقود، تتجدد اليوم مع بروز جيل من الحراس المخضرمين الذين يواصلون الظهور في أعلى المستويات، مؤكدين أن العمر في هذا المركز ليس نهاية، بل بداية مرحلة أكثر نضجًا. 

العقل قبل الجسد: فلسفة مركز لا يشبه غيره

يختلف حارس المرمى عن بقية اللاعبين في طبيعة المهام والأدوار. فبينما تعتمد المراكز الأخرى على السرعة، القوة، والقدرة على التحمل، يقوم الحارس على عناصر أكثر ارتباطًا بالخبرة:

  • قراءة اللعب — القدرة على توقع اتجاه الهجمة قبل حدوثها.

  • التمركز — اتخاذ الموقع الصحيح الذي يقلل من خطورة التسديد.

  • اتخاذ القرار — اختيار اللحظة المناسبة للخروج أو البقاء.

  • إدارة الضغط — التعامل مع اللحظات الحاسمة بثبات وهدوء.

هذه العناصر تزداد قوة مع مرور الوقت، ما يجعل الحارس المخضرم أكثر قدرة على التحكم في مجريات اللعب، حتى وإن تراجعت بعض الجوانب البدنية. 

مونديال أمريكا 2026… تأكيد جديد لظاهرة قديمة

شهدت النسخة الحالية من كأس العالم في الولايات المتحدة حضورًا لافتًا لعدد من الحراس الذين تجاوزوا الأربعين عامًا، في مشهد يعكس استمرار هذه الظاهرة:

  • كريغ جوردون — 43 عامًا

  • مانويل نوير — 40 عامًا

  • غييرمو أوتشوا — 40 عامًا

  • إبراهيم شيهيتش — 40 عامًا

  • فوزينيا — 40 عامًا

وجود هذا العدد من الحراس المخضرمين في بطولة عالمية يؤكد أن هذا المركز لا يزال يستوعب اللاعبين الأكبر سنًا، بل ويمنحهم مساحة للتألق.

العمر كرصيد فني… لا كعبء بدني

في الوقت الذي يبدأ فيه اللاعبون في المراكز الأخرى فقدان جزء من قدراتهم مع التقدم في العمر، يكتسب الحارس قيمة إضافية تتمثل في:

  • ثبات أكبر في اتخاذ القرار

  • أخطاء أقل نتيجة الخبرة المتراكمة

  • قدرة أعلى على قراءة المهاجمين

  • اقتصاد في الحركة يعوّض تراجع السرعة

هذه العناصر تجعل الحارس المخضرم أكثر قدرة على قيادة خط الدفاع، وأكثر تأثيرًا في اللحظات الحاسمة. 

تؤكد كرة القدم الحديثة أن حراسة المرمى ليست مجرد مركز دفاعي، بل هي مركز قيادي يعتمد على الذكاء، الخبرة، والقدرة على إدارة التفاصيل الدقيقة. ولهذا، فإن العمر — الذي يمثل نهاية طبيعية في معظم المراكز — يتحول هنا إلى ميزة تنافسية تمنح الحارس أفضلية على من هم أصغر سنًا.

إنها لعبة لا يكسبها الأقوى جسديًا، بل الأكثر نضجًا وهدوءًا.